أشعة المسح الذري تُعد من أكثر الفحوصات الطبية دقة في تشخيص العديد من الأمراض، خصوصًا تلك التي لا تظهر بوضوح في الأشعة التقليدية. ورغم أهميتها الكبيرة في إنقاذ الأرواح واكتشاف الأمراض في مراحلها المبكرة، إلا أن القلق حول أضرارها على الجسم لا يزال حاضرًا بقوة. هل هي آمنة؟ وهل التعرض لها مرة واحدة يسبب ضررًا؟ أم أن الخطر الحقيقي يكمن في تكرارها؟
المسح الذري يعتمد على استخدام مواد مشعة يتم إدخالها إلى الجسم، سواء عن طريق الحقن أو البلع أو الاستنشاق، لتصوير الأعضاء والأنسجة من الداخل. هذه المواد تُصدر إشعاعات تلتقطها أجهزة خاصة، لتُعطي صورًا دقيقة لوظائف الأعضاء وليس فقط شكلها. وهنا تحديدًا يكمن الفارق بينها وبين الأشعة السينية التقليدية.
لكن كما يُقال دائمًا: “كل ما زاد عن حده انقلب ضده”. فالتعرض للإشعاع لو كان بجرعات صغيرة—قد يحمل آثارًا جانبية على المدى القريب أو البعيد. في هذا المقال، سنغوص معًا في تفاصيل أضرار أشعة المسح الذري على الجسم، بلغة بسيطة، وبدون تهويل، وبنظرة متوازنة بين الفائدة والضرر.
ما هي أشعة المسح الذري؟
أشعة المسح الذري، أو ما يُعرف بالطب النووي، هي تقنية تشخيصية تعتمد على استخدام نظائر مشعة يتم إدخالها إلى الجسم لتقييم وظيفة الأعضاء المختلفة. الفكرة هنا ليست تصوير العضو فقط، بل مراقبة كيفية عمله، وهو أمر لا تستطيع كثير من الفحوصات الأخرى القيام به.
تعمل هذه التقنية بطريقة ذكية تشبه “الجاسوس الصغير” داخل الجسم. فالمادة المشعة تتجه إلى العضو المستهدف—مثل العظام أو القلب أو الغدة الدرقية—وتبدأ في إصدار إشعاعات دقيقة أو القلب أو الغدة الدرقية—وتبدأ في إصدار إشعاعات دقيقة. تقوم أجهزة خاصة تُسمى كاميرات جاما بالتقاط هذه الإشعاعات وتحويلها إلى صور رقمية توضح مدى كفاءة العضو أو وجود خلل فيه.
المواد المستخدمة غالبًا ما تكون قصيرة العمر الإشعاعي، أي أنها تفقد نشاطها بسرعة، وهذا ما يجعل الأطباء يطمئنون المرضى. لكن رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه المواد تتفاعل مع خلايا الجسم، ولو لفترة محدودة. وهنا يبدأ الجدل العلمي حول مدى تأثير هذا التفاعل على صحة الإنسان، خاصة عند تكرار الفحوصات أو إجرائها لفئات حساسة مثل الأطفال والحوامل.
أنواع أشعة المسح الذري
أشعة المسح الذري ليست نوعًا واحدًا، بل مجموعة فحوصات تختلف حسب العضو المراد فحصه والغرض الطبي منها. لكل نوع استخداماته الخاصة، وكذلك مخاطره المحتملة.
المسح الذري للعظام
يُستخدم لاكتشاف الكسور الدقيقة، التهابات العظام، أو انتشار السرطان. المادة المشعة تتجمع في المناطق النشطة من العظام، مما يجعل أي خلل ظاهرًا بوضوح.
المسح الذري للقلب
يساعد في تقييم تدفق الدم إلى عضلة القلب، وتشخيص الجلطات أو ضعف التروية. يُعد من الفحوصات الشائعة لمرضى القلب.
المسح الذري للغدة الدرقية
يُستخدم لتقييم نشاط الغدة، سواء كان زائدًا أو ناقصًا، ويُعد من أكثر الفحوصات التي تثير القلق بسبب حساسية الغدة للإشعاع.
المسح الذري للكلى
يقيس كفاءة الكلى في الترشيح والتصريف، ويُستخدم خاصة لدى الأطفال.
اختلاف هذه الأنواع مهم جدًا، لأن درجة التعرض للإشعاع والأضرار المحتملة تختلف من فحص لآخر.
آلية تعرض الجسم للإشعاع
عند إجراء المسح الذري، تدخل المادة المشعة الجسم بطرق مختلفة، وغالبًا ما تكون عن طريق الحقن الوريدي. بمجرد دخولها، تبدأ رحلتها داخل الدم، متجهة نحو العضو المستهدف. خلال هذه الرحلة، تمر على خلايا وأنسجة مختلفة، وتُصدر إشعاعات قد تؤثر عليها.
الإشعاع الصادر يكون عادة من نوع جاما، وهو قادر على اختراق الأنسجة، وهذا ما يسمح بالتقاط صور دقيقة. لكن في المقابل، هذا الاختراق يعني أن الإشعاع قد يتفاعل مع الخلايا، مسببًا تغيرات على المستوى الجزيئي، مثل تلف الحمض النووي (DNA).
مدة بقاء المادة المشعة داخل الجسم تختلف حسب نوعها، لكنها غالبًا تتراوح بين ساعات إلى أيام قليلة. يتخلص الجسم منها عن طريق البول أو البراز أو العرق. لذلك يُنصح المرضى بشرب كميات كبيرة من السوائل بعد الفحص لتسريع عملية التخلص منها.
الجرعة الإشعاعية في المسح الذري
الجرعة الإشعاعية هي مقدار الإشعاع الذي يمتصه الجسم، وتقاس بوحدات خاصة مثل الميليسيفرت. في المسح الذري، تكون الجرعة غالبًا أعلى من الأشعة السينية العادية، لكنها أقل من بعض أنواع الأشعة المقطعية.
المشكلة لا تكمن فقط في الجرعة الواحدة، بل في التراكم. فكل تعرض للإشعاع يضيف عبئًا جديدًا على الجسم. ومع تكرار الفحوصات، قد يصل الجسم إلى مستوى إشعاعي يُسبب أضرارًا صحية على المدى الطويل.
العوامل التي تؤثر على الجرعة تشمل:
- نوع الفحص
- عمر المريض
- وزنه
- عدد مرات التعرض السابقة
لهذا السبب، يحرص الأطباء على عدم طلب المسح الذري إلا عند الضرورة القصوى.
أضرار أشعة المسح الذري على الجسم
عند الحديث عن أضرار أشعة المسح الذري، لا بد من فهم أن الإشعاع بجرعات صغيرة ليس أمرًا محايدًا تمامًا للجسم. فالإشعاعات المؤينة المستخدمة في المسح الذري تمتلك القدرة على التأثير في الخلايا الحية، خصوصًا الخلايا سريعة الانقسام. التأثير لا يكون دائمًا مباشرًا أو واضحًا، بل قد يحدث على مستوى مجهري داخل الخلية، وكأنه “خدش غير مرئي” يتراكم مع الوقت.
أحد أبرز الأضرار العامة هو تلف الخلايا. الإشعاع قد يُحدث تغيرات في بنية الخلية أو يؤثر على وظائفها الطبيعية. ومع أن الجسم يمتلك آليات ذكية لإصلاح هذا التلف، إلا أن هذه الآليات ليست مثالية دائمًا. أحيانًا يتم الإصلاح بشكل غير كامل، ما يفتح الباب أمام مشكلات صحية مستقبلية.
كذلك، يُعد تلف الحمض النووي (DNA) من أخطر التأثيرات المحتملة. الحمض النووي هو دليل التشغيل الأساسي لكل خلية، وأي خلل فيه قد يؤدي إلى طفرات جينية. هذه الطفرات قد تكون غير مؤذية، وقد تختفي، لكنها في بعض الحالات قد تمهد لظهور أمراض مزمنة، أبرزها السرطان.
ولا ننسى الإجهاد التأكسدي، وهو حالة يحدث فيها خلل بين الجذور الحرة ومضادات الأكسدة داخل الجسم. الإشعاع يزيد من إنتاج الجذور الحرة، ما يؤدي إلى إرهاق الخلايا وتسريع عملية الشيخوخة. تخيل الأمر كأن الجسم يعمل طوال اليوم دون راحة كافية؛ في النهاية سيظهر التعب.
أضرار أشعة المسح الذري على المدى القصير
على المدى القصير، قد يشعر بعض الأشخاص بأعراض مباشرة بعد إجراء المسح الذري، بينما لا يشعر آخرون بأي شيء يُذكر. الأمر يختلف من شخص لآخر حسب طبيعة الجسم، الجرعة المستخدمة، والحالة الصحية العامة.
من أكثر الأعراض شيوعًا:
- الغثيان: خاصة عند استخدام مواد مشعة معينة أو عند القلق النفسي المصاحب للفحص.
- الدوخة والصداع: نتيجة تفاعل الجسم مع المادة المشعة أو بسبب التوتر.
- التعب العام والإرهاق: وكأن الجسم خاض مجهودًا غير مرئي.
في حالات نادرة، قد تحدث تفاعلات تحسسية تجاه المادة المشعة، مثل الحكة أو الطفح الجلدي أو ضيق التنفس. هذه الحالات عادة ما تكون خفيفة ويتم التعامل معها طبيًا بسرعة.
ورغم أن هذه الأعراض غالبًا ما تكون مؤقتة وتزول خلال ساعات أو أيام، إلا أنها تُعد مؤشرًا على أن الجسم بالفعل يتأثر بالإشعاع، حتى لو كان التأثير محدودًا.
أضرار أشعة المسح الذري على المدى الطويل
الأضرار طويلة المدى هي ما يثير القلق الحقيقي لدى كثير من الناس، لأنها لا تظهر فورًا، بل قد تحتاج إلى سنوات حتى تتجلى. المشكلة هنا أن الشخص قد لا يربط بين الفحص الذي أجراه سابقًا والمشكلة الصحية التي ظهرت لاحقًا.
أبرز هذه الأضرار هو زيادة خطر الإصابة بالسرطان. فالإشعاع المؤين قادر على إحداث تغييرات في الخلايا قد تؤدي إلى نمو غير طبيعي مع مرور الوقت. الدراسات تشير إلى أن الخطر يكون منخفضًا عند التعرض لمرة واحدة، لكنه يزداد مع تكرار الفحوصات.
كذلك، هناك احتمال حدوث طفرات جينية، وهي تغييرات دائمة في المادة الوراثية. هذه الطفرات لا تؤثر فقط على الشخص، بل قد تنتقل—نظريًا—إلى الأجيال القادمة، وإن كان هذا الاحتمال نادرًا.
ومن الآثار الأخرى المحتملة تسريع الشيخوخة الخلوية، حيث تفقد الخلايا قدرتها على الانقسام والتجدد بشكل طبيعي، ما ينعكس على صحة الأنسجة والأعضاء مع التقدم في العمر.
تأثير أشعة المسح الذري على الجهاز المناعي
الجهاز المناعي هو خط الدفاع الأول في الجسم، وأي خلل فيه قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للأمراض. الإشعاع الناتج عن المسح الذري يمكن أن يؤثر على هذا الجهاز، خاصة عند التعرض المتكرر.
الإشعاع قد يؤدي إلى انخفاض كفاءة خلايا الدم البيضاء، وهي الخلايا المسؤولة عن محاربة العدوى. عندما تتأثر هذه الخلايا، يصبح الجسم أبطأ في الاستجابة للبكتيريا والفيروسات.
كما قد يحدث ضعف مؤقت في المناعة، يظهر في صورة نزلات برد متكررة أو بطء في التعافي من الأمراض. هذا التأثير غالبًا ما يكون مؤقتًا، لكن في بعض الحالات—خصوصًا لدى كبار السن أو المرضى—قد يستمر لفترة أطول.
الأمر يشبه إلى حد ما إضعاف حارس البوابة؛ لا ينهار النظام بالكامل، لكنه يصبح أقل يقظة.
تأثير أشعة المسح الذري على الجهاز العصبي
الجهاز العصبي من أكثر الأجهزة حساسية لأي مؤثر خارجي، بما في ذلك الإشعاع. ورغم أن الجرعات المستخدمة في المسح الذري لا تستهدف الدماغ بشكل مباشر في أغلب الحالات، إلا أن التأثير غير المباشر يظل واردًا.
بعض المرضى يُبلغون عن:
- صعوبة في التركيز
- اضطرابات بسيطة في الذاكرة
- شعور بالقلق أو التوتر
هذه الأعراض قد تكون ناتجة عن تفاعل الإشعاع مع الخلايا العصبية أو نتيجة الضغط النفسي المصاحب للفحص. وفي معظم الحالات، تكون هذه التأثيرات مؤقتة وتتحسن مع الوقت.
لكن مع تكرار التعرض، خاصة في الفحوصات التي تشمل الرأس أو الرقبة، قد يصبح التأثير أكثر وضوحًا، ما يستدعي الحذر والمتابعة الطبية.
أضرار أشعة المسح الذري على الأطفال
الأطفال ليسوا مجرد “نسخة صغيرة” من البالغين؛ أجسامهم في طور النمو، وخلاياهم تنقسم بسرعة، وهذا ما يجعلهم أكثر حساسية للإشعاع. أي تعرض قد يكون له تأثير أكبر مقارنة بالبالغين.
الإشعاع قد يؤثر على:
- نمو الخلايا والأنسجة
- تطور الجهاز العصبي
- الصحة المستقبلية على المدى الطويل
كما أن خطر الإصابة بالسرطان الناتج عن الإشعاع يكون أعلى نسبيًا لدى الأطفال، لأن أمامهم سنوات طويلة قد تظهر خلالها التأثيرات المتأخرة.
لهذا السبب، يحرص الأطباء على تقليل جرعات الإشعاع للأطفال إلى الحد الأدنى، وعدم اللجوء للمسح الذري إلا عند الضرورة القصوى، وبعد استبعاد كل البدائل الممكنة.
أضرار أشعة المسح الذري على الحوامل
الحمل مرحلة حساسة للغاية، وأي تعرض للإشعاع قد يشكل خطرًا على الجنين، خاصة في الأشهر الأولى. الإشعاع يمكن أن يؤثر على الخلايا الجنينية سريعة الانقسام، ما قد يؤدي إلى تشوهات خلقية أو مشاكل في النمو.
في بعض الحالات، قد يزيد خطر:
- الإجهاض
- تأخر النمو
- اضطرابات الجهاز العصبي للجنين
لذلك، يُمنع إجراء المسح الذري للحوامل إلا في حالات نادرة جدًا، عندما تكون الفائدة الطبية للأم أكبر بكثير من الخطر المحتمل على الجنين، ويتم ذلك تحت إشراف طبي صارم.
العلاقة بين أشعة المسح الذري والسرطان
العلاقة بين الإشعاع والسرطان ليست جديدة، وهي مدعومة بعدد كبير من الدراسات العلمية. الإشعاع المؤين يمكن أن يُحدث تغييرات في الخلايا تجعلها تنمو بشكل غير منضبط، وهو جوهر تكوّن السرطان.
لكن من المهم التوضيح أن:
- الخطر ليس فوريًا
- الخطر ليس مؤكدًا لكل من يتعرض
- يعتمد على الجرعة والتكرار والعوامل الفردي
بمعنى آخر، المسح الذري لا يعني الإصابة بالسرطان، لكنه قد يزيد الاحتمال بنسبة صغيرة، تتراكم مع الزمن.
هل فوائد المسح الذري تفوق أضراره؟
السؤال المنطقي هنا: إذا كانت هناك أضرار، فلماذا يُستخدم المسح الذري؟ الإجابة ببساطة: لأن فوائده في كثير من الحالات تفوق مخاطره.
المسح الذري قادر على:
- اكتشاف الأمراض مبكرًا
- تحديد مدى انتشار السرطان
- تقييم وظائف الأعضاء بدقة عالية
في كثير من الأحيان، يكون هذا الفحص هو الفارق بين العلاج المبكر والمرض المتقدم. لذلك، يعتمد الأطباء على مبدأ الموازنة بين الفائدة والضرر، ولا يطلبون الفحص إلا عندما يكون ضروريًا.
طرق تقليل أضرار أشعة المسح الذري على الجسم
يمكن تقليل الأضرار المحتملة بعدة خطوات بسيطة لكنها فعالة:
- شرب كميات كبيرة من الماء لطرد المادة المشعة
- التغذية الغنية بمضادات الأكسدة مثل الفواكه والخضروات
- تجنب تكرار الفحص دون داعٍ
- الالتزام بتعليمات الطبيب بدقة
هذه الخطوات لا تُلغي الخطر تمامًا، لكنها تساعد الجسم على التعافي بشكل أسرع.
بدائل أشعة المسح الذري
في بعض الحالات، يمكن استخدام بدائل أقل خطورة، مثل:
- الأشعة فوق الصوتية: آمنة تمامًا ولا تستخدم إشعاعًا
- الرنين المغناطيسي: يعطي صورًا دقيقة دون إشعاع
لكن هذه البدائل لا تكون مناسبة دائمًا، لأن لكل فحص ميزاته وحدوده.
أشعة المسح الذري سلاح ذو حدين؛ فهي أداة تشخيصية قوية، لكنها ليست خالية من المخاطر. الوعي عن أضرار أشعة المسح الذري على الجسم لا يعني الخوف أو الرفض، بل الفهم واتخاذ القرار الصحيح بالتعاون مع الطبيب. عندما يُستخدم المسح الذري بحكمة، وتحت إشراف طبي، فإن فوائده غالبًا ما تفوق أضراره.
الأسئلة الشائعة حول أضرار أشعة المسح الذري على الجسم
1. هل المسح الذري يسبب السرطان حتمًا؟
لا، لكنه قد يزيد الاحتمال بنسبة صغيرة مع التكرار.
2. كم مرة يمكن إجراء المسح الذري بأمان؟
لا يوجد رقم ثابت، ويعتمد ذلك على الحالة الطبية.
3. هل المادة المشعة تبقى في الجسم طويلًا؟
غالبًا لا، ويتم التخلص منها خلال أيام.
4. هل المسح الذري مؤلم؟
لا، الفحص نفسه غير مؤلم.
5. هل يمكن للأطفال إجراء المسح الذري؟
نعم، لكن فقط عند الضرورة القصوى وبجرعات مخفضة.
اذا كان لديك اي استفسارات حول أضرار أشعة المسح الذري على الجسم يمكنك الاتصال بنا 0221292000 كما يمكن حجز موعد


